أبي الفرج الأصفهاني

203

الأغاني

لي بجائزة ، فإذا هو قد دعا بعض وكلائه فدفع إليه الرّقاع وسارّه بشيء ، فزاد طمعي في الجائزة ؛ ومضى الرجل وجلسنا نشرب وأنا أنتظر شيئا فلا أراه إلى العتمة ؛ ثم اتّكأ يحيى فنام ، فقمت وأنا منكسر خائب فخرجت وقدّم لي / حماري ؛ فلمّا تجاوزت الدار قال لي غلامي : إلى أين تمضي ؟ قلت : إلى البيت ؛ قال : قد واللَّه بيعت دارك ، وأشهد على / صاحبها ، وابتيع الدّرب كلَّه ووزن ثمنه ، والمشتري جالس على بابك ينتظرك ليعرّفك ، وأظنه اشترى ذلك للسلطان ، لأني رأيت الأمر في استعجاله واستحثاثه أمرا سلطانيا ؛ فوقعت من ذلك فيما لم يكن في حسابي ، وجئت وأنا لا أدري ما أعمل ؛ فلمّا نزلت على باب داري إذا أنا بالوكيل الذي سارّه يحيى قد قام إليّ فقال لي : ادخل - أيّدك اللَّه - دارك حتى أدخل إلى مخاطبتك في أمر أحتاج إليك فيه ؛ فطابت نفسي بذلك ، ودخلت ودخل إليّ فأقر أني توقيع يحيى : « يطلق لأبي محمد إسحاق مائة ألف درهم يبتاع له بها داره وجميع ما يجاورها ويلاصقها » . والتوقيع الثاني إلى ابنه الفضل : « قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع له بها داره ، فأطلق إليه مثلها لينفقها على إصلاح الدار كما يريد وبنائها على ما يشتهي » . والتوقيع الثالث إلى جعفر : « قد أمرت لأبي محمد إسحاق بمائة ألف درهم يبتاع له بها منزل يسكنه ، وأمر له أخوك بدفع مائة ألف [ درهم ] [ 1 ] ينفقها على بنائها ومرمّتها على ما يريد ، فأطلق له أنت مائة ألف درهم يبتاع بها فرشا لمنزله » . والتوقيع الرابع إلى محمد : « قد أمرت لأبي محمد إسحاق أنا وأخواك بثلاثمائة ألف درهم لمنزل يبتاعه ونفقة ينفقها عليه وفرش يبتذله ، فمر له أنت بمائة ألف درهم يصرفها في سائر نفقته » . وقال الوكيل : قد حملت المال واشتريت كل شيء جاورك بسبعين ألف درهم ، وهذه كتب الابتياعات باسمي والإقرار لك ، وهذا المال بورك لك فيه فاقبضه ؛ فقبضته وأصبحت أحسن حالا من أبي في منزلي وفرشي وآلتي ؛ ولا واللَّه ما هذا بأكبر شيء فعلوه لي ، أفألام على شكر هؤلاء ! فبكى / الفضل بن الربيع وكل من حضر [ 2 ] ، وقالوا : لا واللَّه لا تلام على شكر هؤلاء . ثم قال الفضل : بحياتي غنّ الصوت ولا تبخل على أبي الحسن بأن تقوّمه له ؛ فقال : أفعل ؛ وغنّاه ، فتبيّن علَّويه أنه كما قال ، فقام فقبّل رأسه وقال : أنت أستاذنا وابن أستاذنا وأولى بتقويمنا واحتمالنا من كل أحد ؛ وردّه [ 3 ] إسحاق مرّات حتى استوى لعلَّويه . ولقد روي في هذا الخبر بعينه أن هذه القصّة كانت عند عليّ بن هشام ، وقد أخبرني بهذا الخبر أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون وأبو عبد اللَّه الهاشميّ قالا : دعا عليّ بن هشام إسحاق الموصليّ وسأله أن يصطبح عنده ويبكَّر فأجابه ؛ فلمّا كان الغد وافاه ظهرا وعنده مخارق وعلَّويه ؛ فقال له عليّ بن هشام : أين كنت الساعة يا أبا محمد ؟ قال : عاقني أمر لم أجد من القيام به بدّا ؛ فدعا له بطعام فأصاب منه ، ثم قعدوا على نبيذهم ، وتغنّى علَّويه صوتا ، الشعر فيه لابن ياسين ، وهو : صوت إلهي منحت الودّ منّي بخيلة وأنت على تغيير ذاك قدير شفاء الهوى بثّ الهوى واشتكاؤه وإنّ امرأ أخفى الهوى لصبور - الغناء لسليمان أخي أحيحة ، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو - فقال له إسحاق : أخطأت ويلك ! فوضع

--> [ 1 ] الزيادة عن م ، و « مختار الأغاني » لابن منظور . [ 2 ] كذا في « مختار الأغاني » . وفي الأصول : « حضره » بزيادة الهاء . [ 3 ] رده : أعاده مثل ردّده .